الجمعة، مارس 16، 2012

أحمد منتصر يكتب : البراجماتية المصرية


فوجئت بأن الكثيرين من نشطاء السياسة المصرية وثوار 25 يناير لا يعرفون ما معنى البرجماتية ويغفلون عن واحدة من أهم النظريات والمصطلحات السياسية في القرن العشرين. ففي أروقة السياسة ومطابخها يقال عن فعل أو سلوك ما بأنه برجماتي إذا ما كان ينبع من الإستغلال أو سعي فاعله لمصلحته الشخصية أو مصلحة وطنه. فيقال مثلا إن تصرف الساسة الإسرائيليين بشأن القضية الفلسطينية ينبع من مصلحة برجماتية بحتة.. حيث يقومون بتصرفات وأفعال برجماتية تخدم مصالحهم. وإن كان من الملاحظ أن البرجماتي الذي تتسق أفعاله دومًا مع مصلحته وما يسعى إليه تكون كلماته فضفاضة مثالية لا تعبر غالبًا عن توجهاته ولا أفعاله العملية.

من هنا نعرف أن البرجماتية هي نظرية عملية تعنى بالعمل والنتيجة الناجحة. بغض النظر عن الأفكار والقيم والمبادىء المثالية العليا. والشخص البرجماتي هو الشخص الذي يندفع دومًا نحو تحقيق مصلحته وقد يضطر أحيانا إلى الإضرار بالآخرين من أجل تحقيق مصلحته البحتة فقط.

وفي أغلب الأحيان.. فإن الشخص أو الجماعة البرجماتية هي التي تفوز بالمعارك الحياتية الفعلية. على الرغم من خسارتها دومًا في المعارك اللفظية والمناقشات المستعرة في برامج التوك شوز والفضائيات. حيث إن البرجماتية كما أسلفنا لا تعنى بكيفية نطق النجاح بصورة صحيحة بقدر ما تتشبث وتدعو لتفعيل كلمة النجاح وجعلها واقعًا معاشًا يمكن للمرء أن يعيشه ويعترف به الآخرون.

ولعل أبرز الجماعات التي نجحت في الفترة الماضية -فترة ما بعد ثورة 25 يناير- جماعة الإخوان المسلمين ممثلة على الأخص في الذراع السياسية للجماعة ألا وهو حزب الحرية والعدالة الذي نجح في فترة قصيرة في حشد ما يقرب من 50% من أصوات الشعب المصري للتصويت للقائمة الإنتخابية التي كان يتزعمها في انتخابات مجلسي الشعب والشورى في عامي 2011 - 2012. ويمكن بشيء من اليقين أن توصف تصرفات الجماعة بالبرجماتية حيث إن النجاح الذي حققته الجماعة كان في فترة قصيرة ودون الاعتماد على قيم ومثل كبرى يتشدق بها ثوار ميدان التحرير والأحزاب التي تتبنى أيدلوجيات عقائدية كالأحزاب الليبرالية والإشتراكية اللهم إلا حزب النور السلفي. وإن كان يمكن القول بشيء من اليقين كذلك إن حزب النور حصد المركز الثاني في الإنتخابات السالف ذكرها لأن المصوتين له افترضوا افتراضًا برجماتيًا أن أعضاءه أقل فسادًا من الحزب الوطني المنحل والذي كان يهيمن على خيرات مصر ويقتات على أقوات المواطنين البسطاء.

تمثلت برجماتية حزب الحرية والعدالة في عدة أشياء نجملها فيما يلي:

1) لم يدع الحزب إلى أيدولوجية معينة أو برنامج سياسي معين بل دعا إلى توحد الشعب المصري ضد فلول الحزب الوطني المنحل. وضمت قائمته الانتخابية أحزابًا إسلامية وليبرالية واشتراكية.. وهو مطلب برجماتي بحت.

2) اعتمد الحزب بشكل كبير على اضطهاد الدولة البوليسية - العسكرية له طوال ستين عامًا فاستدر عطف الناس مقابل الحصول على أصواتهم في الانتخابات والهيمنة على أبرز مجلسين تشريعيين في الدولة.

3) لاحظ صناع القرار بحزب الحرية والعدالة أو جماعة الإخوان المسلمين أن أغلب الشعب قد تضرر كثيرًا من ثورة 25 يناير مثلما استفاد. وكانت الأضرار الاقتصادية عاملا حاسمًا لكثير من المواطنين للتصويت للإخوان المسلمين مقابل أن يحققوا رخاء اقتصاديًا سريعًا خوفا من تصريحات الأحزاب الثورية الجديدة كالتيار المصري والعدل والتي تتصادم مع المجلس العسكري الحاكم للبلاد عقب الثورة مما قد يسبب تدهورًا اقتصاديًا أكثر.

4) تعتمد وسطية الإسلام التي تتزعمها سياسيًا جماعة الإخوان المسلمين حلا برجماتيًا خالصًا للاقتراب من رجل الشارع المصري البسيط فتتركه على حاله دون كثير من الوعظ مقابل أن تشعره أنه رجل مسلم صالح يعمل لآخرته بالتصويت للجماعة في الانتخابات. وهي نظرة دينية برجماتية يجب الإشارة إليها فكثير من الناس يعبدون الله كي يدخلهم الجنة.. لا عن اقتناع بالدين نفسه.

من هنا يتبين لنا أن البرجماتية وإن كان يكثر منتقدوها من المنظرين والمفكرين والمتكلمين. إلا أنها أنجح الطرق كي تصل جماعة سياسية أو رجل السياسة إلى هدفه. وستظل البرجماتية ناجحة وفعالة في أيدي الأخيار والأشرار معًا حتى نكتشف طريقة أكثر نجاحًا لتحقيق أهدفنا الحياتية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق