الخميس، مارس 29، 2012

رامي يوسف يكتب : مش حتكسروني


رفع صوته وسط المحكمة وهو يهتف بقوة "باطل ... باطل ... يسقط يسقط حكم العسكر" ... لم يبدو أن أحدا يعيره أهتمامه أو يبدي أقل تعاطف مع صوته المتعالى وصراخه المبحوح أثناء مرافعة المحامية الأخيرة أمام القاضي وهي تدافع في استماتة مقززة عن ذلك الشاب العشريني، ذو الوجه المقيت والنظرات الشيطانية الملقى في قفص الأتهام.

على ما يبدو، لم يكن في نية القاضي أن يسمح بأقل مقاطعة في قضيته، فلم يعلق على مقاطعة الشاب للمرافعة، ولا على حركاته العصبية و نداءاته المتتالية، أو دعواته الى الله. جلس في أستراحة قصيرة بعدما بح صوته وهان جسده الضعيف، تفرس في وجوه الحضور، كانت جالسة هناك في الركن، وجهها شاحب، ربما من الأرهاق، ربما من الأحباط ... عيناها زائغتين تحيطهما الهالات السوداء، جالس بجانبها ثلاثة من الشباب وفتاة، يهمس بعضهم لبعض في أستنكار كلمها جاءت الى مسامعهم كلمات الإفتراء والإدعاءات الكاذبة.

لم تكن تتحدث، بل كانت جالسة في صمت، و بدا أنها لاتستمع أيضا، فلا يوجد مايقال جديرا بالإستماع بين جدران هذه القاعة، أو من ساكني هذه الحوائط ... نظر اليها في اشفاق، ود لو يتقدم اليها ويشد من أزرها ببضعة كلمات، لكن لم تبدو للكلمات من قيمة، فهي فارغة من معناها مقارنة بما حدث، وما يحدث.

رغم علمه بعدم جدوى عزاءه، ترك مقعده وتقدم نحوها، ثم وضع يده على كتفها محاولا أن يمدها بالصبر والقوة، وان كانا ينقصانه هو، مال عليها قائلا، "الله أقوى من البشر". لم تلتفت اليه، بل أفلتت دمعة لتنساب من عينيها، و مسحتها في سرعة حتى لا تظهر ضعفها أمام أنصاف البشر الذين تمتلئ بهم القاعة.

سرح بخياله إلى شهور السنة الماضية، تذكر يوم كان جالسا مع رفاقه متضاحكين، بل وأحيانا تأخذهم الحماسة فيرتفع صوتهم بالأغاني الهاتفة ضد الظلم والعدوان، والمطالبة بالحرية، فينضم إليهم جيرانهم المفترشين الأرض رغم برودة الجو القاسية، فيعلو الصوت أكثر وأكثر حتى يتناهى إلى مسامع شياطين الأرض، يتمادوا في عدوانهم، وفي اطلاق رصاصاتهم. يأخذهم الغضب والرغبة الثائرة في صد هؤلاء المغتصبين، أنها أرضهم، وطنهم ... ولا مجال للتنازلات في ميدان البواسل.

ولم يكن غريبا أن تتعالى الهتافات الصارخة المليئة بالتأثر رغم انتصاف الليل، متحدية التعب والإنهاك، الدماء والمشاعر الأليمة، "يسقط يسقط حكم العسكر" ... "أقتل خالد، أقتل مينا ... كل رصاصة بتقوينا" ... فتقوم الجموع من راحتها القصيرة لتملأ جبهة الدفاع بكل حماس، و تتزايد الأعداد حتى يرتعد المعتدين، متخذين بضعة خطوات للخلف، ولا يلبثوا أن يطلقوا رصاصات غادرة.

تذكر يوم أستقرت رصاصة في جسده، شعر بألم عميق يعتصره، شعر كأنما يسقط في بئر عميق بسرعة شديدة واجتاحت الظلمة عيناه لثانية أو أثنين، و هو يتهاوى وسط العديد من الناس، من يعرفهم و من عاشر وجوههم لدقائق، حملوه على الأذرع، و لكن ما لبثت آلامه أن خفت، و نظر إلى الأطباء في ابتسام، وود لو يسرعوا قليلا ليعود إلى جبهة الدفاع ليلحق بأصدقاءه، فلا داعي للتعطل.

داهمته كل هذه الخواطر وهو واقف الى جوارها، رجع الى حاضره بين الجدران، و كان محامي الادعاء مسترسلا في مرافعة قوية تهتز لها قلوب وتستسيغها العقول، و لكن بدا القاضي في حالة أسترخاء وهو يستمع إليه في ملل، تعجب لحاله ولكنه فسر ذلك بأنه ربما فاقد الأثنين.

لم تكن بضع دقائق حتى أعلن القاضي حكمه، خرجت من فمه الكلمات معلنة براءة المُعتدي، و أدانة المُعتَدى عليها، صرخت باكية وصرخ هو فرحا، ظفر بالبراءة، و قتلت هي بالظلم، تسلح بالشرف الزائف، ورميت هي بالكذب.

أحتضنها في ذهول، محتويا صرخاتها القوية التي ترج جسده، لم يبدو أنها تحس حتى بوجوده، عبرت من خلاله خارجة من القاعة في استسلام، محاولة أن تلم شتات نفسها، يقطعها الظلم من داخله ويستحوذ عليها الألم والظلام, تركته لخواطره، تذكر علاء حينها أنها لا تعلم أنه موجودًا، لن تراه ... تمنى لو يخبرها، أنه مازال هنا، يشاهد، و يهتف، و يقاتل، و يؤازر.

نظرت خلفها، رأت طيفه كأنما حلم أو اغفاءه قصيرة لم تدم بضعة ثواني، أحست بوجوده، أبتسم، فأبتسمت من خلف دموعها المنهمرة وصرخت بكل ما في جسدها من قوة، "مش هتكسروني"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق