الثلاثاء، مارس 27، 2012

أحمد يونس يكتب : الدعم والكرامة


الدعم الذى نتلقاه سلعا أو طاقة هو من أكبر برامج الخداع التى مارستها الدولة المصرية على مواطنيها خلال عقود من الزمن. فالدولة لم تقدم غير ماتنتزعه من جيوبكم ضرائبا كانت أم رسوما. وأنتم دافعوا الضرائب ومن أرزاقكم تستقطع وتدفع فوائد الدين العام ، كما أن الدخول السيادية الكبرى كقناة السويس والبترول وعوائد بيع الممتلكات هى بالأصل لكم لا ولا لغيركم. إذن واختصارا كل ماتقدمه الدولة دعما أقتطع مسبقا من مدخولاتكم .

غير أن تلقينا دعما على السلع التموينية يهدر الكرامة وبعدها أيبقى لحديثنا بقية ؟

فكيف تحرز الدولة المال سائلا ويسيرا ثم تمن على منا وتعيد جزءا لى وبطرق مهينة؟ ليست طوابير الخبز هينة؟

كانت تلك سياسة نظام مبارك بكل أبعاد القهر وبراعة شياطينه ووكلائه فى مصر، لكن وبعد تفتح أزهار الثورة وظهور أجيال تتمسك بالكرامة الإنسانية وتجعلها أولى أولوياتها كان على باكورة الموازنات العامة بعد خروجنا من نفق الإستبداد المظلم أن تظهر وبجلاء آثار رؤيتنا الجديدة في بنودها، فالتغيير المطلوب يجب ان يكون جذريا حال كل الأمم التى سبقتنا على سلم التحرر والحضارة.

أن مجرد اظهار شيئا فى الموازنة العامة الجديدة 2011 - 2012 يبرز السياسات الإقتصادية الطموحة كان كفيلا بطمأنة الناس على مستقبل أولادهم ، لكنها كانت صورة مكررة لسابقاتها المحشوات بأفكار سقطت مع معتنقيها رواد الكذب والفساد.

الموازنة العامة الأولى بعد الثورة تهلك المال هلكا ولا تستهلكه فى برامج تنمية حقيقية وتستهين أرقامها بالمواطن وتخدعه مرة أخرى حين ترفع أرقام الدعم على السلع الحياتية اليومية فى محاولة لإسترضائه دون الرغبة فى ارضاءه فعليا.

بلغت قيمة الدعم على السلع التموينية والمواد البترولية فى موازنة 2011 - 2012  مبلغ 122 مليار جنيه، وإذا علمنا أن عدد اصحاب البطاقات التموينية وهم الأكثر استحقاقا للمساعدة يبلغ 12 مليون بطاقة وبالتالي يصبح نصيب كل بطاقة من اجمالى الدعم فى حدود 11ألف جنيه سنويا بمتوسط ألف جنيه لكل أسرة شهريا تقريبا . فهل يصلك هذا الرقم سيدى المواطن ؟

الوضع مقلوب وينطوى على خدعة كبرى تستغل بساطة الناس وضحالة علمهم المغمس بحسن نواياهم. هل تصدق أن فقراء مصر يدعمون أغنيائها وبسخاء؟

هناك مبلغ 99 مليار جنيه خصص لدعم المواد البترولية، فكم هى نسبة الفقراء ممن يمتلكون سيارات او شقق فاخرة او أجهزة عالية الاستهلاك للطاقة؟
أغلبية ساحقة ومسحوقة تدفع دعما لأقلية من الأثرياء استحوذت بخبرتها على معظم الموارد.

ولا تتسرع وتردد ماروجه الفاسدون دفاعا عن منظومات شركاتهم وشركات شركائهم كأن تقول :
ان إلغاء الدعم على المواد البترولية سيزيد عبئ تكلفة النقل والانتقال على الفقراء وأصحاب سيارات الحمل وبالتالى ستنعكس على اسعار كل السلع. منطق علمى تجارى استخدم لإتمام التضليل ولتأكيد أننا فى ورطة وماعلينا سوى الصبر.

والحل ،إلغاء الدعم السلعي فورا وبناء مواقف جديدة على أساس اعتبار مشكلة الفقر نتيجة لسياسات خاطئة وليس نقص موارد، واعتبار دعم الفقراء حق لا منحة . والإيمان بأنها قضية الأمة التى سيشمل حلها تطورا ملموسا فى كل الاتجاهات، ولابد من التعامل مع مشكلة الفقر جملة واحدة فى اطار مبلغ الدعم الكلى والبالغ 122 مليار جنيه والمؤهل للزيادة.
وكحل أعتقد أنه يتوافق ومطالب العدالة الإجتماعية, أقترح تقديم مبلغ 600 جنيه تصرف شهريا وآليا لكل بطاقة تأمينية ليكون اجمالى المبلغ المقتطع من الموازنة العامة فى حدود 85 مليار جنيه محققا وفرا قيمته 30 مليار جنيه بالإمكان توجيهها لنفس الفئة من المواطنين بدعم نظام تأمين صحى لأسرهم وبهذا نكون صدقنا مع شعبنا وقدمنا حزمة حلول جذرية لأقل القطاعات دخولا وأكثرها معاناة فى مصر.

وأعتقد ان اقتراحى يحقق المزايا التالية :
1 - احترام المواطن وحفظ كرامته
2 - تنمية مفهوم التكافل الاجتماعى
3 - القضاء على الفساد داخل منظومة تجارة السلع التموينية
4 - منح المواطن ميزة الإختيار بين السلع
5 - ازدهار الآلاف من محال البقالة
6 - الحد من أزمة المرور بعد بيع الوقود بالتكلفة الحقيقية
7 - امكان نجاح مشروعات كبرى للنقل الجماعى

وأعتقد ان المبلغ المقترح يكفى لسداد الإرتفاعات الناجمة في أسعار النقل والغذاء. على ان ينتهى العمل بنظام الدعم النقدى ايضا خلال عشر سنوات بعد التغلب على ارث الماضى فى اعتماد المواطن على الدعم والتواكل الماحى للكرامة.

وأخيرا ، ان كنا كاذبين فستكذب ارقامنا وسرعان ماننكشف ، وأن اعترفنا بالثورة ونريد تغييرا حقيقيا علينا طرح وقبول الحلول الجذرية وأن افقدتنا اصوات الناخبين.
والأهم الا نخدع مواطنينا . يرحمكم الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق