السبت، مارس 17، 2012

أحمد الشربيني يكتب : للوصاية وجوه أخرى


جميعنا يتذكر المعارك التي دارت بعد الاستفتاء الذي جرى في 19 مارس من العام الماضي على تعديلات دستور 71، حول الخارطة الزمنية لوضع الدستور وتشكيل البرلمان. فبينما اتخذت كثير من القوى العلمانية موقف الرافض لإستئثار البرلمان بتشكيل الجمعية  التأسيسية، أصرت معظم القوى الإسلامية على اتباع هذا الطريق، معتبرة نتيجة الإستفتاء قبولاً له.

وأقيمت المناظرات والمناقشات حول أي الطريقين أصلح، وكان دفاع القوى العلمانية دائماً ما يدور حول ضعف التمثيل البرلماني للمجتمع المصري، مرجعين ذلك إلى التواجد القوي للإسلاميين في الشارع واستخدامهم للشعارات الدينية؛ بينما أصر الإسلاميون على أن الحيود عن خارطة الطريق المفضلة من جانبهم هو محاولة من نخب متطفلة لفرض وصايتها على الشعب الذي يريد اختيار ممثليه وواضعي دستوره.
         
وبينما نأخذ على موقف كثير من العلمانيين في هذا الصراع رغبتهم في كتابة دستور من غير انتخاب مؤسسيه، وبينما نتفق مع القوى الإسلامية في رفض جميع أشكال الوصاية على الشعب، وجب علينا حتى نكون أكثر اتساقاً مع النفس توضيح بعض الأشكال الأخرى من الوصاية التي يرددها الكثيرون تحت ضغط الصخب الإعلامي والشعبي حولها. الوجه الآخر للوصاية الذي أعنى به هنا هو المادة الثانية من الدستور المصري التي تتمسك بها القوى الإسلامية، بل ويطالب البعض بتعديل نصها كي تصبح أكثر دقة، والتي تنص على أن «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع».

لا يشترط في الوصاية أن يأتي بها البشر، بل يمكن أن تأتي بها النصوص أيضاً. والديمقراطية تهدف إلى كسر كل أشكال الوصاية والقيود التي تعوق نمو المجتمع مستجيباً إلى حاجاته. وحتى لا تختلط مفاهيم كالديمقراطية والليبرالية وجب توضيح أن الديمقراطية لا تعني بالضرورة تحقيق وصون الحريات الشخصية للمواطنين، وإنما تعني تكوين إطار عمل للمجتمع يسمح له بتقرير مصيره الجمعي بشكل سلمي من خلال تفاعل أجزائه المختلفة فيما بينها، والتي تدخل في عملية طويلة من الشد والجذب بعضها مع بعض ومع العوامل المؤثرة الخارجية والحاجات الاجتماعية.

فالهدف النهائي من الديمقراطية، كأحد أشكال هندسة المجتمعات الإنسانية، هو السماح للمجتمعات بأقصى حرية ممكنة للحركة والتطور في أي اتجاه ممكن، وكل ما هو خلاف ذلك يعد وصاية غير ديمقراطية وقيد على قدرة المجتمع التطورية وحرية استجابته للمشاكل المحيطة.

فإذا تناولنا المادة الثانية من الدستور المصري، وجدناها تنقسم إلى ثلاثة أجزاء، أولهم فارغ من المعنى، وثانيهم تحصيل حاصل، وثالثهم قيد على الممارسة الديمقراطية، والثلاثة مجتمعين يمثلون شكلاً من أشكال الوصاية على الشعب وثقافته. الجزء الأول من المادة يشتمل على إضافة «دين» إلى «الدولة»، والدين هو مجموعة من الاعتقادات بخصوص الوجود يحوزها الإنسان وقد تؤثر على سلوكه، فالقول بدين للدولة لا للفرد هو من قبل اللغو الذي لا معنى له.

الجزء الثاني يدخل في إطار الوصاية على الثقافة من خلال مظاهرها المباشرة كاللغة، والجزء الثالث يدخل في إطار الوصاية عليها من خلال فرض القيود على التشريع. والمادة كاملة تمثل وصاية من نخب، أو أغلبية، لها قناعات معينة، على مجتمع له ماضيه وحاضره ومستقبله؛ وهي محاولة لتحديد نمو المجتمع وتحجيم تطوره في الإطار الذي يعتقد المتمسكون بالمادة أنه لا يجب الخروج عنه، فهي في هذا شكل من أشكال الوصاية مثلها كمثل رغبة البعض في كتابة دستور من قبل قلة غير منتخبة تحدد ما تراه الأصلح للشعب. وكما يأخذ البعض على أصحاب دعوة «الدستور أولاً» عدم إيمانهم بقدرة الشعب على تحديد مصيره والأفضل لمصلحته، نأخذ على المتمسكين بالمادة الثانية عدم إيمانهم بقدرة الشعب على تحديد الصالح والطالح من مكونات ثقافته، وعلى تطوير هذه الثقافة بالشكل الذي يرونه الأمثل.

الثقافة لا يمكن تقليصها إلى مواد دستورية، فهي كائن حي ينمو ويتطور ويتفاعل مع ما حوله. والدساتير بشكل عام، لكي تكون دساتيراً ديمقراطية، لا يجب أن تتطرق إلى تحديد مكونات الثقافة لمجتمع ما، بل يجب على العكس من ذلك أن تعمل كإطار لنمو هذه الثقافة وتطورها في أي اتجاه يراه المجتمع، وإلا أصبحت وصاية نخبوية عليه وعلى ما يراه الأفضل لتحقيق مصالحه والحفاظ على خصوصياته وتفرده.

هناك تعليق واحد:

  1. عجبني تطور اسلوبك بقى أنيق واحترافي أكتروصياغته مثاليةولا هو معقد ولا شعبوي .. بس مش حاسس أن موضوع المادة التانية ده راحت عليه :D
    وبعدين أنت مختصر ليه اللي قالوا لأ انهم علمانيين ما أنا قلت لأ ومش علماني :D وبعدين أنت لازم تحترم توجهات شعبك وتعرف أن المادة ديه الحقيقة أنها أكتر مادة هتلجم الإخوان والسلفيين عشان معظم الحاجات فالشريعة بيبقى مختلف عليه وكل واحد حسب قرايته للنص فلو فكروا يقرروا حاجة مختلف عليها هيترفع عليهم قضية فالدستورية أن المراجع كذا وكذا بتقول رأي تاني غير اللي هم اقروه .. يعني مثلا لو فكروا يعملوا قانون الردة :D فيه مراجع معاها ومراجع ضدها فمش هيقدروا يقروهاانما لو مفيش المادة التانية خلاص من حق البرلمان يقر اللي عايزه مادام التلتين معاه حتىلو فيه مراجع كتير مش معاه

    ردحذف