الأحد، مارس 11، 2012

شريف طلال يكتب : فن اتقان العبث


العبث .. ما معنى هذه الكلمة ؟ العبث هو : اللعب والهزل .. وعندما نقول أن فلان عبث بشئ , أى أستخف به وأحتقره وإمتهنه .. ولها معانى أخرى , مثل : عمل ما لا فائدة منه , أو خلط الأشياء ببعضها .. وهذا نقلاً عن قاموس معانى اللغة العربية.

ولكن هل يجوز أن نصف المشهد السياسى المصرى هذه الأيام بالعبثية ؟ وهل يصح أن نصف أفعال القيادة السياسية فى مصر بالعبث؟ .. نعم , بل وأزيدكم من الشعر بيتاً عندما أقول أن ما يحدث الآن تعدى مرحلة العبثية , لأن عندما يعبث شخص بشكل عشوائي فهو مجرد عبث , ولكن عندما يعبث الشخص بشكل منظّم وموجّه , حتى يصدقه قطاع عريض من الشعب , وحتى يرى الناس العبث حقيقة منطقية , هنا فقط نستطيع أن نطلق على ما يحدث أنه "فن إتقان العبث".

وهذا الفن المنحط تميز وتفوق فيه "جوزيف جوبلز" وزير الدعاية النازى , وصاحب المقولة الشهيرة: "أكذب ثم أكذب ثم أكذب حتى تصدق نفسك فيصدقك الآخرين .. وكلما كبرت الكذبة، كلما سهل تصديقها"..

وكم أنتى ولادة يا مصر! فلقد أفرزت الأيام الأخيرة عشرات الجوبلزيين - إن صح التعبير- فهناك العديد منهم فى القيادة السياسية , و آخرين فى الوسائل الإعلامية المختلفة , هذا غير الجوبالزه - إن صح التعبير أيضاً - من لاعبي السياسة الجدد فى الأحزاب والقوى السياسية المختلفة.

وحتى لا يكون كلامي مرسلاً , سوف أعرض مثالاً واحداً من العبث الذى نعيشه الآن , وهى مجرد عينة فقط حيث أن الحقيقة المؤسفة تحتاج إلى كتب ومجلدات .. فعندما تطلق قوات الأمن سواء من الشرطة أو الجيش الرصاص الحى الذي يسقط على أثره العديد من الشهداء والمصابين , يبدأ العبث فى أولى خطواته بأن تنفي قيادات النظام وبشدة أى أستخدام للرصاص الحى والخرطوش , ثم يؤكدون بأنهم ألتزموا أقصى درجات ضبط النفس لإن العنف ليس في منهجهم , ويستخدمون فى ذلك البيانات والخطب والمؤتمرات الصحفية .. وبعد ذلك يأتى دور الإعلام , فيخرج علينا مقدموا البرامج وتكتب أقلام الصحف - إلا من رحم ربي - مؤكدين على وجود طرف ثالث أطلق الرصاص على الثوار , وأن المتظاهرين أستفزوا وسبوا قوات الأمن .. وأخيراً تشكل لجنة تقصى حقائق لا نعلم عن نتائجها شيئاً , وتطول فترة عملها , حتى يتسنى لأيدى النظام العابثة بأن تحاكم المجنى عليهم في محاكمها العسكرية , مع الكثير من التخوين والتكفير إن تطلب الأمر , فينقلب الرأى العام على الضحية

وإن ظهرت الفيديوهات والصور التى تثبت إطلاق قوات الأمن للرصاص الحى , وتثبت التعامل العنيف الغير مبرر مع المظاهرة , هنا يتجلى العبث في أقصى درجاته عندما تؤكد القيادة السياسية ووسائل إعلامها بأن كل هذا "فوتوشوب" , أو إنه حدث في دولة أخرى .. ويبقى السؤال الأكثر عبثية في مصر : إيه اللى نزلها التحرير بعبائة على اللحم؟

هذا هو المثال الذى أقدمة إليكم عن "فن إتقان العبث" , أجعلوه مقياساً لكم قيسوا عليه جميع الأحداث التى تجرى على أرض مصر منذ تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد , فستجدونها جميعاً تدار بنفس الإسلوب المنظم والطريقة الممنهجة في العبث , والذى يصدقه قطاع عريض من الشعب لشدة إتقانه.

هذه هى المشكلة , والحل أراه فى كلمة واحدة وهى "الثقافة" , فهى الوحيدة القادرة على التصدي لطوفان العبث , وإنتشال عقول الناس من وحل أكاذيب النظام , ويجب علينا وفوراً تسليح الشعب بالتعليم , وبدء حملات التوعية فى كل مكان - مشيداً فى ذلك بالدور العظيم لحملة "كاذبون" –

وأخيراً أذكركم بأن "جوبلز" قال من قبل : "ما إن أسمع كلمة ثقافة حتى أتحسس على الفور مسدسي

هناك 3 تعليقات:

  1. انت كدة جبت من الأخر يا أ/شريف : ده أجمل مقال شوفتو من فتره أستمر بقا في هذة المقالات الهادفة ..

    ردحذف
  2. يسقط يسقط حكم العسكر .. كلامك صحيح يا باشا

    ردحذف
  3. طول عمرك بتكتب مقالات فعلا جامدة ماشاء الله استمر الله يوفقك :)

    ردحذف